الذكاء العاطفي عند الاطفال

مقدمة

كثير من سلوكيات الأطفال المزعجة ليست “قلّة تربية”، بل صعوبة في فهم المشاعر والتعبير عنها بالكلام، فيلجأ الطفل للبكاء أو الصراخ أو الضرب. هنا يأتي دور الذكاء العاطفي، الذي يعني قدرة الطفل على التعرف على مشاعره ومشاعر الآخرين، والتعامل معها بطريقة صحية تناسب عمره.
في الشارقة، حيث تهتم الأسرة بجودة التعليم والجو النفسي الآمن، أصبح الحديث عن الذكاء العاطفي وخريطة المشاعر جزءًا مهمًا من التربية الحديثة في البيت والمراكز التفاعلية مثل “المبدع الصغير”.

أولًا: ما هي “خريطة المشاعر” للأطفال ولماذا هي ضرورة تربوية؟

خريطة المشاعر عبارة عن لوحة بسيطة تحتوي على وجوه تعبّر عن مشاعر مختلفة (فرح، حزن، خوف، غضب، دهشة، هدوء…) مع كلمات أو ألوان مرافقة، تساعد الطفل على تسمية ما يشعر به بدل التعبير عنه بسلوك فقط. عندما يتعلم الطفل أن يقول “أنا غضبان” أو “أنا خايف” بدل أن يصرخ أو يضرب، يكون قد قطع نصف الطريق نحو تنظيم نفسه وطلب المساعدة بطريقة مقبولة.

الأبحاث في نمو الطفل تؤكد أن الأطفال الذين يُسمَح لهم بالتعبير عن مشاعرهم ويتلقّون استجابة متعاطفة من الكبار يتمتعون بصحة نفسية أفضل، وعلاقات اجتماعية أمتن، وأداء دراسي أكثر استقرارًا على المدى البعيد. لذلك أصبحت خريطة المشاعر أداة تربوية أساسية في كثير من الحضانات والمدارس حول العالم، ويمكن تكييفها بسهولة لثقافة وبيئة الشارقة.

ثانيًا: الصراخ والغضب – كيف نفهم مشاعر طفل الشارقة بطريقة علمية؟

عندما يصرخ الطفل أو يرمي نفسه على الأرض في مركز تجاري أو في البيت، غالبًا ما يكون السبب مشاعر قوية (غضب، إحباط، إرهاق) لا يعرف كيف يعبّر عنها أو ينظّمها. أدمغة الأطفال في سن 3–7 سنوات ما زالت في طور النمو، والمنطقة المسؤولة عن “المنطق وضبط النفس” لم تكتمل بعد، لذلك يحتاجون إلى بالغ يساعدهم على تهدئة الجسد أولًا ثم تسمية الشعور.

الاستجابة العلمية لهذا النوع من السلوك تبدأ بمحاولة تهدئة الموقف (خفض الصوت، إبعاد الطفل عن الزحام إن أمكن)، ثم استخدام جمل بسيطة مثل: “واضح إنك غضبان… تعال نختار من خريطة المشاعر”، بدل الصراخ أو التهديد. عندما يهدأ الطفل، يمكن التحدث معه عن السبب (“زعلان عشان اللعبة؟”) ووضع حدود واضحة (“ما ينفعش نضرب، لكن ينفع نقول إحنا زعلانين”). هذه الطريقة تعلّم الطفل أن مشاعره مسموعة، لكن السلوك له قواعد.

ثالثًا: دور المراكز الحديثة مثل “المبدع الصغير” في بناء الذكاء العاطفي

يمكن للمراكز التفاعلية في الشارقة أن تجعل الذكاء العاطفي جزءًا من الروتين اليومي، مثل أن يبدأ اليوم بـ “دائرة المشاعر” حيث يختار كل طفل وجهًا من خريطة المشاعر ليعبّر عن حالته اليوم، ويشرح بكلمة أو اثنتين السبب (قدر استطاعته). هذا النشاط البسيط يمنح الطفل مساحة آمنة للتعبير، ويعلّم أقرانه احترام اختلاف المشاعر بين الناس.

كما يمكن للمركز استخدام قصص ومسرح عرائس لعرض مواقف حياتية (طفل غضبان لأن لعبته انكسرت، طفل خائف من الظلام…) ثم مناقشة ما يشعر به الأبطال وكيف يمكنهم التعامل مع هذه المشاعر. عندما يرى الطفل مشاعره مجسّدة في قصة أو لعبة، يصبح أكثر قدرة على فهم نفسه، وأقل ميلًا لسلوكيات عنيفة أو انسحابية


رابعًا: ألعاب بسيطة تنمّي الذكاء العاطفي للأطفال بين 3–7 سنوات

1) لعبة “وجه اليوم”

في بداية اليوم أو نهايته، اطلب من الطفل أن يرسم وجهه بمشاعره الحالية (سعيد، حزين، متوتر…) ثم يحكي جملة قصيرة عن السبب. هذه اللعبة يمكن تنفيذها في البيت أو الحضانة وتساعد على ربط المشاعر بالأحداث.

2) بطاقات المواقف

اصنع بطاقات عليها مواقف مصوّرة (طفل أخذ لعبتك، صديق قال كلمة مزعجة، مفاجأة سعيدة)، واسأل الطفل: “تحس بإيه لو حصل ده؟”. ثم ناقش معه رد فعل مناسب (أقول إيه؟ أعمل إيه؟).

3) صندوق التهدئة

خصّص صندوق صغير يحتوي على أشياء مهدئة (كرة ضغط، لعبة ناعمة، كتاب مصوّر، زجاجة جليتر)، وعند اشتداد غضب الطفل يمكن توجيهه لاختيار شيء من الصندوق حتى يهدأ، مع تذكيره بقول “أنا محتاج أهدأ”.

4) لعبة تبادل الأدوار

العب مع الطفل لعبة “أنا الأب/الأم وأنت الطفل” أو “أنا الغاضب وأنت الذي يهدّئ”، ليجرب جمل التعاطف (“أنا شايف إنك زعلان…”) في سياق مرح.

5) استخدام القصص اليومية

بعد أي موقف قوي (زيارة طبيب، موقف خوف، شجار بسيط)، تحدث مع الطفل قبل النوم عمّا شعر به في كل لحظة، وساعده على إيجاد كلمات للمشاعر (“خفت… اتطمنت… انبسطت”). هذا يربط بين التجربة والمشاعر ويزيد وعيه بنفسه.

خاتمة – ملخص المقال

الذكاء العاطفي أساس مهم في تربية أطفال الشارقة اليوم، لأنه يمنحهم لغة للمشاعر وأدوات للتعامل مع الغضب والخوف والإحباط دون عنف أو انسحاب. باستخدام خريطة مشاعر بسيطة، واستجابات هادئة من الأهل، وأنشطة مدروسة في مراكز تفاعلية مثل “المبدع الصغير”، يمكن تنمية هذه المهارة منذ عمر 3 سنوات، لتنعكس لاحقًا على صحة الطفل النفسية وعلاقاته ونجاحه الدراسي.

التعليقات معطلة.